السل والجمال



مرض السُل (Tuberculosis) هو مرض تسببها عدوى جرثومية تصيب الجسم بالأخص الرئتين. مرض قديم عتيق موجود لأكثر من 10000 سنة. المخُيف في هذا المرض أنه موجود بشكل خامل في حوالي ثلث سكان العالم. ويموت بسببه 4000 شخص يومياً. على الرُغم أنه مرض بسيط في يومنا هذا الا انه في الماضي كان مسؤولاً عن وفاة 20% من سكان أروبا سنوياً.

لكنني لست هنا لأتحدثت عن الطب ولا عن الأمراض. فلا أحد يحب التحدث في هذه المواضيع الكئيبة التي يتجنبها الجميع. أنا هنا لأتحدث عن الأثر الكبير الذي تركه هذا المرض في حياة الجنس البشري قديماً في الفن والأدب وحتى التقاليد الشعبية.





(إمرأة فكتورية مصابة بالسل، على فراش الموت) 






كما ذكرت سابقاً أنه مرض يقتل نسبة كبيرة من البشر سنويا. يجدر به ان يكون مرضاً مخيفاً ومكروهاً، لكن لم تكن هذه الحالة عند الفكتوريين. فقد كان الدمار الجسدي لهذا المرض فوائد جمالية. فخسارة الوزن وشحوبة البشرة وإحمرار الخدود تتوافق مع معايير الجمال في تلك الفترة.

كانت حقبة العصر الفيكتوري ، على الرغم من أنها سُميت باسم ملكة ،لكنها كانت فترة ذكورية عميقة حيث كان يُنظر إلى النساء على أنهن مخلوقات حساسة وهشة تحتاج إلى رعاية الرجال. صورة المرأة الهشة الشاحبة على الأريكة الضعيفة هي مشهد مبدع لهذه الفترة. كان يُنظر إلى النساء على أنهن طفوليات تقريبا، مع الحاجة المٌلحة للرجال على الإشراف والحماية.



نتيجة بحث الصور عن ‪victorian women paint society aristocrates‬‏




كذلك تميزت الفترة الفكتورية، التي بدت في نهاية القرن التاسع عشر، بعمل النساء في المصانع والمغاسل وغيرها من الاعمال الشاقه. فصورة المرآة القامعة في بيتها تدريجا بدأت بالإندثار. خاصة عند الطبقة الفقيرة حيث كان لابد للنساء بالعمل لتوفير لقمة عيشهن.
لكن عند طبقة الاثرياء. كانت النساء تتميز بنعومة الجلد وشحوبة البشرة وضعف البنية الجسدية. فوجود عضلات او اسمرار في البشرة كان شيئا مرفوضا لأنه كان مرتبطا بنساء الطبقة العاملة الفقيرة.  وفعلا عزيزي القارئ، النساء من الطبقة الارُستقراطية كانو أكثرعُرضة للإصابة بهذا المرض.


وفي العصر الفكتوري كان هناك أخلاقيات صارمة، فإستخدام مستحصرات التجميل كانت وصمة عار لأنها مرتبطة بالبغايا والممثلات ونساء الليل. 

فكان الإصابة بمرض السل يعتبر مكياجا طبيعيا.



مرض السل في الادب والفن.




الأمراض لا تعرف غنيا او فقيرا. مشهورا او منبذوا بمجرد ما تجد وعاء لتعيش فيه. هذا كل ماتحتاجه. كبار الادباء والفنانين لم يسلموا من هذا المرض الفتاك، فالشاعرة الكبيرة شارلوت بروتني خسرت كلا شقيقتيها للسل.
والرسام الهولندي فقد زوجته العزيزه التي ظهرت في عدد من أعماله بعد عده ايام من ولادة ابنه.

والفنان الفرنسي مونيه كذلك فقد زوجته للسل ورسمها على فراش موتها. قائلاً:





"وجدت نفسي في فراش الموت لأحد أحبتي ، فوجئت بالألوان التي جلبها الموت إلى وجهها الغيرمتحرك. "





(كاميل مونيه على فراش الموت، 1879) 








الرسام العظيم إدفارت مونك المعروف برسامته الكئيبة والحزينة مثل رسمة "الصرخه" فقد أمه بسبب مرض السل عندما كان في عمر الخامسه، بعدها بعدة سنوات فقد أخته الصُغرى لنفس المرض ورسمها على فراش الموت.


نتيجة بحث الصور عن ‪the sick child‬‏


(رسمة الطفل المريض التي يصور فيها مونك وفاة أخته )







الشاعر الأمريكي إدغار آلان بو، الذي فقد زوجته للسل، كتب في قصة قصيرة عن إمراة تصاب بهذا المرض

" أنه الطريق الذي صليت لأتبعه، اتمنى من أعماق قلبي أن أُهلك لهذا المرض اللطيف"





خاتمه


المعاناة تُلهم الفنانين هذا معروف، لكن العلاقة بين الفن والسل اعمق واقوى من مجرد الألم والمعاناة، مما أسفر عن كتب كاملة مكرسة لفهم كيف تم تصوير هذا المرض المدمر في كثير من الأحيان على أنه "رومانسي" و "لطيف"
من المؤكد أنه لا يوجد شيء رومانسي عن الموت والمرض والمعاناة. لكن عند التفكير بهذا الموضوع، من الصعب التصديق ان جرثومة لا ترى بالعين المجردة سببت في تأثير كبير على المجتمع وحياة البشر خلال خقبة كاملة من الزمن .






تعليقات